ممدوح عبد العليم.. حكاية فارس خلدته الدراما بـ"أعمال استثنائية"

في هدوء يُشبه ملامحه، وفي صدق نادر لا يعرف الادعاء، عبر ممدوح عبد العليم من الشاشة إلى قلوب الملايين، دون ضجيج أو افتعال.

ومرَّت في الخامس من يناير ذكرى رحيل فنان استثنائي لم يكن حضوره قائمًا على البطولة الصاخبة، بقدر ما كان قائمًا على الإحساس، والقدرة الفريدة على التماهي مع الشخصية حتى حدود البكاء الحقيقي، هو بطل "الضوء الشارد"، وأحد أعمدة "ليالي الحلمية"، ووجه فني ظل محفورًا في ذاكرة الدراما المصرية بوصفه نموذجًا للفنان المثقف، الصادق، والمنحاز دائمًا للجودة.

لم يكن طريق ممدوح عبد العليم إلى السينما مفروشًا بالترشيحات الأولى، فواحد من أهم أدواره السينمائية، فيلم "بطل من ورق"، لم يكن مكتوبًا له في البداية، العمل عُرِض على أسماء كبيرة، من بينهم أحمد زكي وعادل إمام، قبل أن يستقر في النهاية على ممدوح عبد العليم، ليقدمه في واحد من أكثر أدواره نضجًا وتأثيرًا، ويثبت أن الاختيار الهادئ أحيانًا يصنع التاريخ.

بدأ عبد العليم مشواره السينمائي عام 1983 بفيلم "العذراء والشعر الأبيض"، قبل أن يتألق في أعمال بارزة مثل "قهوة المواردي"، "الحرافيش"، "البرئ"، "كتيبة الإعدام"، و"سمع هس".

ورغم حضوره اللافت على الشاشة الكبيرة، قرر في عام 2000 الابتعاد عن السينما، مفضِّلًا التركيز الكامل على الدراما التلفزيونية، حيث وجد المساحة الأوسع للتعبير، وبناء الشخصيات المركبة التي تشبهه.

على الشاشة الصغيرة، أصبح ممدوح عبد العليم أحد أعمدة الدراما منذ أواخر الثمانينيات وحتى رحيله.

شكّل دور "علي البدري" في "ليالي الحلمية" علامة فارقة في مسيرته، قبل أن يرسّخ مكانته بدور "رفيع بيه" في "الضوء الشارد"، تلك الشخصية التي جسَّد من خلالها صراع السلطة والضعف الإنساني بعمق نادر.

وشارك في العمل إلى جانب سميحة أيوب، ومنى زكي، ومحمد رياض، مُقدِّمًا أحد أعقد أدواره وأكثرها تأثيرًا.

في أحد لقاءاته النادرة من أرشيف ماسبيرو، عبر برنامج مشهد وجائزة مع الإعلامي عاطف كامل، توقف ممدوح عبد العليم عند واحد من أكثر المشاهد تأثيرًا في مسيرته، وهو مشهد جمعه بالفنان هشام سليم ضمن أحداث "ليالي الحلمية".

مشهد امتد لعشر دقائق كاملة، صُوِّر بعد يوم عمل شاق، ورغم الإرهاق الشديد، أصر المخرج على تنفيذه في ذلك التوقيت تحديدًا، إيمانًا بأن التعب سيمنح الأداء صدقه الكامل.

وهو ما حدث بالفعل، إذ انهمرت دموع ممدوح أمام الكاميرا دون تصنُّع، معترفًا لاحقًا بأن بكاءه كان حقيقيًا، نابعًا من اندماج كامل مع شخصية علي البدري، لا من تشابه بينها وبينه في الواقع، مؤكدًا أن الدور بعيد تمامًا عن شخصيته الحقيقية، لكنه مثال للتشخيص الدقيق والاحتراف الصارم.

تنوعت اختياراته بين الدراما الاجتماعية والسياسية والإنسانية، فشارك في أعمال خالدة مثل "خالتي صفية والدير"، "جمهورية زفتى"، "الفريسة والصياد"، "ليلة القبض على فاطمة"، "حكايات مجنونة"، "دعوة للحب"، "داليا المصرية"، "الحب وأشياء أخرى"، "أبيض في أبيض"، "الطارق"، "قليل من الحب كثير من العنف"، "حصاد العمر"، "شط إسكندرية"، و"المصراوية" الجزء الثاني، وصولًا إلى آخر أعماله "السيدة الأولى" عام 2014.

وُلِد ممدوح عبد العليم في 10 نوفمبر 1956، وحصل على بكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية، غير أن الفن كان اختياره الأول منذ الطفولة.

بدأ من برامج الأطفال في الإذاعة والتلفزيون، وتلقى دعمًا مبكرًا من المخرجة إنعام محمد علي، والمخرج الكبير نور الدمرداش، الذي قدمه طفلًا في مسلسل "الجنة العذراء" أمام كريمة مختار، في بداية صنعت ملامح فنان مختلف.

حصد عبد العليم عددًا من الجوائز المهمة، منها جائزة أفضل وجه جديد عن "قهوة المواردي"، وجائزة البطولة المطلقة عن فيلم "الخادمة"، إضافة إلى جائزة عن "العذراء والشعر الأبيض" من مهرجان الإسكندرية السينمائي، تأكيدًا لموهبته التي لم تعتمد يومًا على نجومية مصطنعة.

على المستوى الشخصي، تزوج الراحل مرتين، الأولى من الفنانة الاستعراضية اللبنانية نبيلة كرم، ثم من الإعلامية شافكي المنيري، التي أنجب منها ابنته الوحيدة.

ورحل عن عالمنا في عام 2016، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا نقيًا، لا يزال يُشاهد ويُستعاد بنفس الدهشة والتأثر.

في ذكرى رحيله، لا يُستدعى ممدوح عبد العليم بوصفه ممثلًا فقط، بل كحالة فنية خاصة، آمنت بأن الصدق هو الطريق الأقصر إلى الخلود.

 

التعليقات